محمد متولي الشعراوي

4434

تفسير الشعراوى

بعض الأمور ، وله جهة قهر في البعض الآخر ، فهو يشارك الكون في القهر ، ويتميز عن بقية المخلوقات - عدا الجن - بالاختيار في أمور أخرى . ونجد على سبيل المثال أن الإنسان الذي يعاني قلبه من ضعف ما ، عندما يصعد هذا الإنسان سلما ينهج ويتتابع نفسه من الإعياء وكثرة الحركة ، لأنّ غريزته المحكوم بها تنبه الجسد إلى ضرورة أن تعمل الرئة أكثر لتعطى الأوكسجين الذي يساعد على الصعود . ومثال آخر ، نجد الذكر من الحيوانات يقترب من أنثاه ليشمها ، فإن وجدها حاملا لا يقربها ، والحيوان في هذا الأمر مختلف عن الإنسان ؛ لأن الحيوان تحركه الغريزة التي تبين له أن العملية الجنسية بين الذكر والأنثى لحفظ النوع ، وما دامت الأنثى قد حملت ، فالذكر لا يقربها ، فاختلف الإنسان عن الحيوان في هذا الأمر ؛ فلذة الإنسان في الجنس أعلى من لذة الحيوان ؛ لأنها في الحيوان ترضخ للغريزة فحسب ، أما في الإنسان فإنها مع الغريزة ترضخ أيضا للاختيار الذي منحه الله للإنسان ومن رحمة الله - إذن - أن يكون الإنسان مقهورا في بعض الأشياء ومختارا في أشياء أخرى ، ب « افعل » و « لا تفعل » حتى يختار بين البديلات . وهنا يقول الحق : خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ أي خذوا ما آتاكم في الكتاب بجد واجتهاد . وكان هذا القول مقدمة لما جاء به العلم في شرح معنى القوة . وقد وصل إلينا خبر العلم قبل أن يصل لنا واقعه المادي ، فصرنا نرى الطاقة التي تعطى القوة . وجاء نيوتن ليكشف لنا قانون الجاذبية ، القانون الأول والثاني والثالث ، واكتشف أن كل جسم يظل على ما هو عليه ، فإن كان ساكنا يبق على سكونه إلى أن يأتي محرك يحركه . وإن كان الجسم متحركا فهو لا يتوقف إلى أن يصدمه صادم أو يمسكه ماسك . وسمّى العلماء هذا التأثير بالقصور الذاتي . أو التعطل ، أي أن الساكن يعطّل عن الحركة إلا أن يحركه محرك ، والمتحرك يعطّل عن السكون إلا أن يوقفه موقف ، فأنت إذا ركبت سيارة وأنت قاعد وساكن والسيارة تسير ، فإنك تظل ساكنا ، إلى أن يوقفها السائق فجأة فتتحرك من مكانك ما لم تمسك بشئ .